حوار خالد المهير مع د. فرج نجم لصحيفة ليبيا اليوم
كتبهافرج نجم ، في 16 يونيو 2007 الساعة: 15:51 م

يبدو هذا الحوار نوع من المغامرة لان ..
نحن في ليبيا ننتمي إلى مجموعة من العوالم ..
فنحن أمازيغ .. وعرب ..
والسنوسية فهمت ..
وعمر المختار سيبقى رمز لهذه المدينة والوطن والأمة، متجسداً في ضريحه ..
ولن يرضى أهلنا عن من أومأ، وأوحى، وشارك، وهدم، ورضي بهدم ضريح الشهيد ..
هذه ليبيا التي أحبها وأعشق أهلها، والتي دائماً أتطلع للرجوع إليها.
الاحد 26 نوفمبر 2006
يبدو تقديم هذا الحوار الشيق مع الباحث الدكتور فرج نجم نوع من المغامرة، الحوار نتيجة عدة أحاديث جرت بيننا هنا في بنغازي وعلى الماسنجر،الدكتور فرج لم يغامر بالتعتيم عن قول الحقيقة التاريخية التي تؤرقنا كعادة عدد كبير من الباحثين الليبيين، لكنه شد الرحال معنا في هذا النسيج المتشابك من طبرق إلى رأس أجدير، في محطات متفاوتة عن زمن المملكة، والشيخ عمر المختار ورجال ليبيا.
لم تسعفني العبارات لتقديم ذاكرة مفعمة بالحرص والتواريخ والشواهد والوثائق، ولم أجد سوى شكره على نبش ركام التاريخ، وإزاحة السواتر عن ما تبقى في الذاكرة … خالد المهير
بمجرد وصولك إلى بنغازي كل عام تتجه إلى حيث مكمن الوثائق والأحاديث بدار الكتب الوطنية، لماذا كل هذه العلاقة بالتاريخ، وهل هناك أسباب، أو تأثيرات للتشبث بالقيم الإنسانية للتاريخ ؟
أصدقك القول إذا ما قلت لك لا أدري بالضبط، ولكن إحساسي بأن هذا الوطن تليد ومجيد ليس فقط بتاريخه، ولكن بهذا الشعب الصابر المرابط .. لذا إذا ما نزلت ليبيا سواء في طرابلس أو في بنغازي؛ أحرص على مقابلة نخب الثقافة والفكر والاجتماع لأزداد ثقة بالنفس، وبهم المستقبل سيكون أفضل، فأقضي أجمل الأوقات في رحاب الثقافة وبين أرفف المعرفة، متصفحاً آخر إنتاج إخواني المبدعين، ولذلك أحرص على الدوام يومياً من الصباح حتى مغادرة الموظفين سواء في مركز الجهاد بطرابلس أو دار الكتب الوطنية ببنغازي، ومؤخراً المكتبة المركزية بجامعة قاريونس.
فهذه الأماكن أعتبرها محاريب العلم، وبالتالي بمثابة عبادة لي، حيث لقاء الأحبة ممن أشارك همّ البحث والشغل في التنقيب والكتابة .. لتبادل الأخبار والأفكار .. لأن المنشغل بتاريخ الآخر اعتبره نبيلاً، لأن فيه من الحرص ما يجعله ينذر من وقته وماله لكتابة وإبراز صانع التاريخ، الذي لم يتمكن هو من صناعته، ولم يتمكن الآخر من كتابته، فالإثنان مكملان لبعضهما البعض، حيث الأول يصنع التاريخ، والآخر يدونه، كما قال لي المرحوم حسين مازق: "نحن بتواضع صنعنا التاريخ فنترك للآخرين كتابته حسب ما رأوه".
في الفترة الأخيرة تطرح بعض الآراء لإعادة صياغة التاريخ الليبي منذ منتصف القرن الماضي، وتصحيح بعض الروايات الشفاهية، خاصة فيما يتعلق بحركة الجهاد الليبي، لماذا هذه المطالبات في هذا الوقت بالذات؟ وهل يعني هذا نوع من المصالحة مع تاريخ الجهاد الليبي لوضعه في قالب وطني دون تزييف؟
الإجابة بكل بساطة تكمن في أن تاريخنا تعرضت أجزاء وحقب وشخصيات كبيرة منه للتحريف والتصحيف والتعتيم والتبهيت في محاولة مؤدلجة فاضحة، وفاشلة، من داخل وخارج الوطن، فعلى الصعيد الداخلي قل لي بربك من ينكر أن عمر المختار كان سنوسياً؟ على سبيل المثال .. لا أعرف أي باحث صادق منصف ينفي عن عمر المختار هكذا وشائج .. أما في الخارج فهناك طمس لكل ما هو ليبي على الصعيد العربي والإسلامي والدولي، فمثلاً أن الليبيين لعبوا دوراً محورياً في الحرب العالمية الثانية فيما عُرف بالجيش السنوسي ضمن الفيلق الثامن البريطاني بقيادة مونتقمري، ويفتخر الغرب بهذه الحرب، ومقابرهم في طبرق وبنغازي شواهد على ذلك، أما رجالنا فلا افتخار بهم .. وقتلانا لا قبور لهم .. ولا حتى بواكي لهم ..
وإن بنغازي احُتلت وحُررت خمس مرات من قبل الحلفاء والمحور، وعدد من شارك من الليبيين يتراوح ما بين 14 ألف إلى 16 ألف مجاهداً بعضهم كان من رفاق الشهيد عمر المختار كعبد الرازق العوامي، وصالح امطير العبيدي، والتواتي عبد الجليل المنفي، وسعد ارحومه العرفي، علي امبارك اليمني، وحمد بوخير الله البرعصي، وغيرهم، وهذه كلها دلالات على أن جهاد عمر المختار استمر بعده إلى الحرب الكونية .. بل إن ابن عمر المختار، محمد عمر المختار، (ورقمه في الجيش 43) وابن أخيه حمد محمد المختار (ورقمه 42)، كانا ضابطا في الجيش السنوسي، وكذلك محمد قذاف الدم (ورقمه 74)، وهو والد سيد وأحمد قذاف الدم، وغيرهم .. وقد ذكر الشيخ طاهر الزاوي قدر هؤلاء الأبطال حين استشهد بفلادمير بينكوف، أحد ضباط القوات الخاصة البريطانية، حينما قال: "إني لا أعدو الحقيقة حين أقول إن عرب برقة كانوا معبر النصر للحلفاء في هذه الحرب وإن جميع أفراد الجيش البريطاني الثامن مدينون بحياتهم لعرب برقة" .. ويؤكد الشيخ المفتي بأنهم قدموا "المساعدات ما كان له فضل مذكور في انهزام جيوش رومل" … حتى تم خروج آخر جندي إيطالي من ليبيا في 25 من يناير 1943م إلى غير رجعه.
ولكننا لا نستطيع البوح بذلك .. لأننا نعيش في مكان وزمان لا يسمح لنا إلا بقول ما تريده السلطات القائمة وإلا نحارب ونبعد من الساحة ليلعبوا بها كما يحلو لهم .. فلم نجد مفراً إلا إلى الإعلام في الخارج لنعبر عن أنفسنا وننشر ما نتوصل إليه من حقائق ومعلومات .. وللأسف هذا ما حدث .. حتى أن بعض الأدبيات الليبية يقوم عليها رجال عُرف عنهم الشجاعة والنزاهة والحرفية، خافوا من نشر بعض الأشياء لي لأنهم رأوا فيها ما يثير الحساسيات - على حد زعمهم - وقد تضايق بعض من في السلطة وخاصة رقابة المطبوعات.
لماذا في تقديرك لم يكشف الباحثون الليبيون عن بعض وقائع التزييف التي شوهت مرحلة الجهاد الليبي؟ ومن المسؤول عن هذه الاختراقات، وفي مصلحة من كانت مثل هذه الأفعال؟
أنت ذكرتني بالمؤرخ الكبير محمد مصطفى بازامه - رحمه الله تعالى - قال لي ذات يوم أنه كتب كتاباً عام 1965م بعنوان "السنوسية: إيجابياتها وسلبياتها"، أي ذكر ما لها وما عليها، ولكن الرقابة في العهد القديم رفضت الكتاب لما احتواه من سلبيات عن السنوسية، وعندما جاء العهد الجديد رفضوه أيضاً لما احتواه من إيجابيات، ويا ليته نشر الإيجابيات آنذاك لتمكن الآن من النشر السلبيات، وتكون المكتبة الليبية أُثريت بكنوز المرحوم بازامه.
فالباحثون الليبيون في جلهم صادقون، وحاولوا بطريقة أو أخرى أن يكتبوا التاريخ كما هو، وغالباً لم يستطيعوا، فالتزموا الصمت أو الحياد طلباً للسلامة والنجاة، والمسؤول الأول والأخير هي الأجواء السياسية والاجتماعية التي حرمت البحّاث من التجرد وقول الحق كما يرونه ..
أذكر في هذا الصدد بعد جلسة تاريخية مفعمة بالحقائق والصراحة والجرأة مع الدكتور علي الساحلي - طيب الله ثراه - سألني وهو يودعني عند عتبات بيته بحي السكابلي: لماذا أنت في الخارج ؟ وتبحث وتكتب عن التاريخ في الداخل .. لماذا لا ترجع ..؟
فقلت له: لأن في الخارج هواء نقي، وطيب الاستنشاق، ما يعينني على التدبر بعيداً عن الضغوط سواء السياسية أو الاجتماعية وحتى الاقتصادية. وأضيف وأقول للأسف أن ثمة بطانة حُسبت على أهل البحث والتنقيب أساءت إساءة بالغة بتحريفها للتاريخ تملقاً وتزلفاً للسلطات وللوظيفة وللمنصب، وعلى فكرة، هذه لم تكن حكراً على حقبة معينة من تاريخنا السياسي بعينه، ولكنها في كل الحقب منذ الاستقلال حتى الآن، والله ثم التاريخ والأجيال القادمة ستحاسبهم على ذلك.
وأنا أكرر ما قاله الأستاذ أحمد الشيخ رئيس تحرير قناة الجزيرة: " .. سنظل نؤمن أنه يجب وضع حد لسياسة تكميم الأفواه، وأن الوقت قد حان لفتح العقول، والمكاشفة، والتعامل بشفافية مع الوقائع التي تمس مصالح الناس وحياتهم، لأنه ليس من حق أحد أن يحتكر المعلومة والحقيقة."
مركز الجهاد الليبي قام في الفترة الأخيرة بعدة خطوات في مجال النشر، ولكن مازال المركز ذو طبيعة وظيفية، ولم يتحمل مسئوليات تتعلق بطبيعة البحث الجاد في حقل حركة الجهاد؟
لا .. للأمانة المركز جاد والأخوة القائمون عليه أغلبهم من الجادين وفي مقدمتهم الدكتور محمد الجراري، والدكتور صلاح السوري، وغيرهما.. وإن كان قلة من هم محسوبون على المركز يعانون من عُقد سواء وظيفية أو قلة الزاد والرصيد العلمي أو الأدلجة التي هي سبب الداء الذي يعاني منه الجسد الفكري/الثقافي في عالمنا العربي/الإسلامي عامة، وليبيا خاصة.
نعم هناك تقصير وقصور، ولكن هذا ليس من فعل أيديهم، ولكنها أجواء عامة يمر بها البلد حيث التسيب وعدم الجدية وضيق ذات اليد .. ومع هذا حاول المركز أن يسلط الضوء على بعض المفاصل الهامة من تاريخنا، ولعل ما يعيب المركز هو خسارته للبحّاث الجادين الذين تعاملوا معه، وأذكر على سبيل المثال لا الحصر الباحث الكبير عمار جحيدر، وكذلك عدم توسعهم الجغرافي، فأنا دائماً أقول لمن أراد معرفة تاريخ ليبيا منذ الاحتلال الإيطالي عام 1911م حتى الاستقلال في 1951م فليذهب إلى الجبل الأخضر حيث عرين عمر المختار ورفاقه، فيفترض أن يكون هناك فرعاً كبيراً للمركز لدراسة هذا التاريخ الذي لازلنا نلامس قشوره ولم نصل إلى اللباب بعد.
أضف إلى ذلك سياسة الحذر المفرط الذي اتبعها ولازال المركز يتبعها في دراسة تاريخنا، مما جعل تاريخ الآباء والأجداد مادة تبدو أحياناً باهتة فاترة مجزأة مبتورة .. فخذ على سبيل المثال مؤتمرات عُقدت في واحات الجنوب الليبي عن الحياة هناك، وقد شاركت في إحداها، وعن تجارة القوافل عبر الصحراء، نوقش فيها تقريباً كل شيء إلا أمرين مهمين هما: السنوسية حركة وطريقة في الواحات، وتجارة الرقيق عبر الصحراء الليبية التي كادت تغير كل شيء حتى بشرة أبناء المنطقة وما تركته من آثار وحشية على شريحة مظلومة من أهلنا.
وقع طمس لمرحلة مهمة في التاريخ الليبي تتعلق بدور الحركة السنوسية في حركة الجهاد، ما هي آخر الحقائق التي توصلت لها في هذا الشق؟ وكيف بدأ لديك الوعي بهذه الفترة التاريخية المهمة ؟
خرج أخيراً كتاب في أمريكا للصحفي المخضرم بوب إدوارد بعنوان "State of Denial" ومعناها حالة الإنكار، وبخ فيه حكومة بوش وزمرته لتنكرهم لما يحدث في حرب العراق وعلى الإرهاب عامة، والشيء نفسه ينطبق علينا حين تنكرنا للسنوسية سواء كانت طريقة أو حركة، وكذلك رجالها الذين صنعوا لليبيا وللمنطقة، بل للإسلام، مجداً قل نظيره في القرون الثلاثة المتأخرة.
ثمة خلط بين السنوسية والملك إدريس، ولعله لطمس أو تشويش تاريخهما، وهنا مكمن الداء، فالسنوسية ليست الملك إدريس، وإن كان السيد إدريس هو سليل مؤسسها، ولكنه تخلى عنها عندما جعلت منه ملكاً للبلاد. ويكفي السنوسية فخراً أنها جددت فينا الإسلام وخاصة عند أهلنا في برقة بعدما تردى بهم الحال لدرجة أن الرجل قرن بين الأختين في زواج اعتقد أنه شرعياً، ولم يصم بعضنا شهر رمضان لأن وادي زازه قال: لا .. لا، بل بنى البعض كعبة ليُحج إليها في منطقة مسلقون، ولهذا يبقى الفخر كل الفخر للسنوسية التي أحيت فريضة الجهاد، وقدمت على منحر الجهاد المقدس الشهيد الرمز عمر المختار ورفاقه قرباناً في سبيل الله ثم ليبيا ودول الجوار بلا تمنّن أو تفضل.
وأنا ممن وقف على أن الحركة السنوسية هي التي وحدتنا سياسياً، واقتصادياً، وجغرافياً، بعدما وحدتنا الطريقة نفسها روحياً، واجتماعياً، وأعطتنا عزة بعد ذل، وبعدما كنا قبائل نتناحر لأتفه الأسباب، ومن ثم لنحارب بقيادتها ثلاث إمبراطوريات (فرنسا، بريطانيا، إيطاليا) ونشترك مع الحلفاء فيما سمي بالجيش السنوسي لنكشف عورات المحور (ألمانيا وإيطاليا)، وليتمكن الحلفاء بمعونتنا من النصر ونبني بلداً عصرياً ذا مؤسسات ودستور من لا شيء.
فالذي ينكر دور السنوسية في صناعة الوطن هو كمن يقلل من جهاد عمر المختار وأحمد الشريف، ويتهم أهلنا ممن انضوى تحت لوائهما مجاهداً في سبيل الله بالقصور والضلالة، وهو بالتالي كمن يبصق على قبور الشهداء من الآباء والأجداد وفي مقدمتهم عمر المختار.
هل توصلت إلى خيط رفيع جمع بين الملك إدريس السنوسي وعمر المختار؟ وفي اعتقادك هل الزوايا الصوفية هي التي وحدت بين الملك إدريس وعمر المختار؟
كون أن ثمة علاقة تنظيمية بين السيد إدريس والشيخ عمر المختار إبان الجهاد هذا ليس محل شك وإن اختلف الرجلان في الأسلوب، فالأول قائد سياسي بامتياز، بينما الثاني قائد ميداني من الطراز الرفيع، وبينهما فارق في السن يقرب من الثلاثين عاماً، واستطاع الأخير بمظلوميته أن يصبح رمزاً للوطن، في حين لم يحظ الملك إدريس ولا غيره بنفس القدر والجلال، كما أن القاسم المشترك بين الإثنين هو الزاوية، فالسيد إدريس ورث قيادة الحركة ومشيخة الطريقة من ابن عمه السيد أحمد - وإن كان السيد أحمد أكثر أهلية منه - ولكن ما دعم وسند دعوى السيد إدريس هو ما قاله الشيخ عمر المختار للصحفي ليوبولد فايس Leopold Weiss - من أصل يهودي نمساوي - ومن ثم اسلم وتسمى بـ محمد أسد : "إن السيد إدريس رجل طيب، إنه ولد طيب لوالد عظيم، ولكن الله لم يعطه قلباً يمكنه من تحمل مثل هذا الصراع"، أي أن السيد إدريس كونه ولد للسيد المهدي، ما جعل ورقته أقوى من غيره وخاصة في العرف الصوفي، حيت وراثة قيادة الطريقة من الأب إلى الابن من أبجديات العمل التنظيمي عندهم، وبالتالي فالشهيد عمر المختار هو جزء من هذا الهرم الإداري، يتبع القيادة شرعياً وتنظيمياً وإن طفح من حين إلى آخر بعض الخلافات بينهما، ولكنه كان يقاتل ويمهر مراسلاته باسم النائب العام.
ولكن يبقى الخلاف قائماً بين المؤرخين عن طبيعة ومدى عمق العلاقة بين الشهيد الرمز عمر المختار والسيد إدريس، حتى أن من الأوائل من اختلف في ذلك كالشيخ المؤرخ طاهر الزاوي الذي صنف كتاباً في هذه الصدد عام 1934م حاول طرح تساؤلات عن هكذا علاقة بين الإثنين من جملة شكوك عرضها في مؤلفه ما استمطر غضب السيد إدريس وشيعته، ورُفعت ضده المحاكم جراء ذلك.
في حوار أجريته مع الشاعر راشد الزبير السنوسي سألته حول علاقة الملك بالعائلة السنوسية قال بالحرف (قبل عام (54) اللقاءات شبه نادرة، وشبه منقطعة بعد مقتل ناظر خاصة الملكية إبراهيم الشلحي، هذه وظيفة تتعلق بشؤون الملك ،بعد هذه المرحلة انقطعت العلاقات وحدث انشقاق في العائلة) ما هي الحقيقة التاريخية في هذه القضية؟ ولماذا في اعتقادك لم يكشف عن حقيقتها طيلة هذه الأعوام؟ وهل لديك وثائق توضح حقيقة هذه القضية؟
أنا - بالمناسبة - شبه أكملت بحثاً مستفيضاً في قضية الشلحي، قرأت فيه ما كتب وأجريت لقاءات بهذا الصدد مع كثير من الساسة من بينهم ثلاثة رؤساء وزراء في العهد الملكي، وأحدهم كان والياً لبرقة، كما تحدثت مع أفراد من العائلة السنوسية، ولم ألتق بعد مع أحد من أفراد عائلة الشلحي حتى أستطيع أن أقول أنني أكملت البحث، ولكن ما لا يدرك جله لا يترك كله.
القصة باختصار: أن الأمير إدريس أبعد كل السنوسيين من الوظائف العامة عام 1950م، أي قبل الاستقلال وقبل مقتل الشلحي، حتى أنه أحال إلى التقاعد كل من السادة بالقاسم أحمد الشريف الذي كان ضابطاً في الجيش، ومن ثم متصرفاً لبنغازي ومن بعدها في الداخلية، والسيد الصديق عابد الذي كان ضابطاً في الجيش ومن ثم في الشرطة، والسيد الزبير أحمد الشريف الذي كان ناظراً لمدرسة الأبيار ونائبه السيد عبد الله أحمد الشريف، والسيد السنوسي الرضا المهدي ناظر مدرسة البركة، والسيد علي صفي الدين من التعليم.. إلخ، وقد دفع الملك لهم رواتب من مستحقاته الأميرية ثم الملكية، وقد فعل السيد إدريس ذلك حرصاً بالعائلة ورحمة بهم، وهذا ما رأى فيه من صالح للوطن بالدرجة الأولى، وللعائلة، حتى لا تسول لهم أنفسهم بالاستئثار أو استغلال غيرهم لهم من خلال الوظائف وتبوء المناصب التي لا يستحقونها، أو تقديماً لهم على من هم أكفأ منهم.
أما فيما يخص مقتل ناظر الخاصة الملكية، إبراهيم الشلحي، على يد الشريف محي الدين أحمد الشريف الذي كان يدرس ببيروت ومن ثم رجع إلى أرض الوطن لتوه، وارتكب جرمه بقتل إبراهيم الشلحي عندما كان في زيارة لرئيس الوزارة السيد مصطفى بن حليم، وفقد على أثرها الملك صوابه حيث كان الشلحي أثيراً، وانقسمت العائلة، حيث تكتل أولاد السيد أحمد الشريف وانضم إليهم عمهم السيد صفي الدين، بينما انضم إلى جانب الملك وآل الشلحي آل السيد عابد والسيد هلال وأخوات الملك وغيرهم.
شُحنت الأجواء آنذاك بالشائعات والحساسيات والتوتر، فأصدر الملك أمراً ملكياً بتجريد جميع الألقاب عن أفراد العائلة السنوسية، بل حتى أن الأمر استفحل بين السيد صفي الدين والملك، لدرجة أن السيد صفي الدين غادر الوطن في 1956م لوأد الفتنة التي بدأت نارها تتأجج خاصة بعد دخول أطراف غير سنوسية في المشكلة كحادثة صالح بويصير وقصة الرسالة المزورة إلى ملكة بريطانيا نيابة عن الملكة فاطمة لالتماس العفو لابن أخيها الجاني، ليستقر السيد صفي الدين في السعودية حتى عام 1960م ومن ثم يرجع ليستقر في القاهرة حتى وفاته عام 1967م ويدفن بعدها بالجغبوب وهكذا، ويا ليته اكتفى بذلك بل أُصدر أمر من الملك بترحيل بعض من آل الشريف إلى مدينة الزاوية، وجادو في جبل نفوسة، ومن بعدها إلى هون، وأُوقف بعضهم عن الدراسة كالسيد راشد الزبير الذي أُوقف عن الدراسة لمدة سنتين، ونفي مع العائلة إلى جادو حيث عانوا الكثير هناك، وقد نظم قصيدة رائعة أسماها جادو بعدما زار المكان بـ 42 سنة.
وقد ساهم في النفي كثير من المسؤولين بإقرارهم أماني الملك كوالي طرابلس عبد السلام البويصيري الذي قال للملك اعطني إياهم وسأقوم بالواجب، وقد حاول البعض لجم شهوة الملك من الانتقام والتشفي مدفوعاً من بيت الشلحي وشيعتهم، ومن بين من تصدى للملك حسين مازق ومصطفى بن حليم ولكنه أخبرهما بأن لا دخل لهما، فهذه عائلته، وهو حر في أن يفعل بها ما يراه مناسباً. ولكن ذُكّر الملك إدريس بأنه طبقاً للمرسوم الملكي فإن عائلته تتكون من شخصه والملكة فاطمة وولي العهد وحرمه، أما بقية السنوسيين فهم مواطنون يكفل الدستور حقوقهم بحسب ما ذكرا لي شخصياً، فارتدع الملك ورجع شيئاً ما.
أخذت العدالة مجراها فيما يخص المتهم، فأحيل الشريف محي الدين إلى محكمة الجنايات ببنغازي في 29 نوفمبر 1954م وصدر عليه الحكم بالإعدام في 11 ديسمبر 1954م، واُستأنف الحكم أمام المحكمة العليا الاتحادية، ولكن ثُبت من جديد حكم محكمة الجنايات لينفذ فيه حكم الإعدام شنقاً في السجن المركزي بتاريخ 6 فبراير 1955م، ومن جملة من طُلبت شهادتهم رئيس الوزراء مصطفى بن حليم، وبالفعل أدلى بشهادته للمحكمة.
في تلك الأثناء يبدو من شهادات العيان أن الملك إدريس فقد رشده من وقت لآخر، حتى أنه طلب من المدعي العام، المستشار محمود القاضي، وكان مصرياً، أن ينفذ حكم الإعدام في موقع الجريمة، أي أمام مقر رئاسة الوزارة وأمام أنظار العالم في خرق صارخ للقانون، فذكر المدعي العام بأن ذلك يتنافى مع القانون وهدد بالاستقالة، وعلل الملك ذلك بأن أولاد الشلحي يريدون أن يروا تنفيذ حكم الإعدام في قاتل أبيهم، وسرعان ما وُجد المخرج القانوني وأُخبر كل من يهمه الأمر بأنه بإمكان عائلة المجني عليه أن يحضروا تنفيذ الحكم في الجاني، وبالفعل حضروا، وقد بصق البوصيري على الشريف، ومن ثم ألقى الفريق محمود بوقويطين بالجثة تشفياً في موقع الجريمة.
الجدير بالذكر أن بعض السنوسيين يرون أن القصة لم تدرس دراسة منصفة محايدة، وأن الخلاف مع أي من كان لا يبرر قتله، سيما أن ذاك مخالفاً للسنوسية وتعاليمها، ولكن اتسع الخرق على الراقع، وضُخم الأمر، وسُطحت الأسباب لدرجة الإجحاف، ويؤكد السنوسيون في هذا الصدد على أن ما قام به الشريف محي الدين كان عملاً فردياً لا علاقة للعائلة به من قريب أو بعيد، بل أكد لي البعض بأن الشريف سبق وأن درس في جامعة بيروت التي كان فيها التيار القومي في تصاعد، وخاصة بعد نكبة فلسطين، وقد تأثر بتلك الأفكار، وتبنى أيديولوجية العنف التي تقر التصفية الجسدية كمنهج لكل من له علاقة بالنكبة، وقد دفع عدد من الزعامات أرواحهم ثمناً لذلك كعاهل الأردن الملك عبد الله، ورياض الصلح في لبنان، والخازندار في مصر، ومن ثم المرحوم إبراهيم الشلحي في ليبيا.
لدي سؤال عن ديمومة الحركة السنوسية في الأحداث السياسية والاجتماعية والثقافية، هل في اعتقادك خصوصية تميزت بها الحركة على مر الحقب التاريخية؟
الطريقة، ومن ثم الحركة السنوسية تميزت عن غيرها بأنها استطاعت أن تخترق عقول البدو، وأن تسيطر على حسهم الديني، وبالتالي انصاعوا إليها طوعاً، وأصبحوا رجالها الصناديد، ونقلت بهم المنطقة من فضاء الفوضى إلى شبكة سياسية، اقتصادية، اجتماعية، وروحية مُحكمة التنظيم. كما أن الحركة السنوسية لم تشق عصا الطاعة عن الدولة العثمانية، عكس الحركة الوهابية التي حاربت الدولة العثمانية وفسّقت وبدّعت كثير من المسلمين، في حين السنوسية لم تنزلق إلى ذلك، بل ركزت على بادية برقة تحديداً، وربطتهم بعشرات من الزوايا مع بقية أرجاء القطر، إلى جانب امتدادات وأتباع داخل دول الجوار، حيث بلغ عدد زواياها في مصر قرابة 47 زاوية، وفي جزيرة العرب بما فيها مكة والمدينة 25 زاوية، بينما في بلاد السودان (وخاصة تشاد) قرابة 17 زاوية، وفي تونس 6 زوايا فقط.
سبق وأن كتبت أن السنوسية فهمت العقلية البدوية واستوعبت مداها، حتى غدت السنوسية بدوية، وبالتالي كانت الانطلاقة من البادية، وتبنت فكرة القبيلة، وقبلية النصرة والجغرافيا، ولذلك استجابت لحاجيات المجتمع البدوي التي طالما أهملتها الدولة. فلولا قبائل برقة - وخاصة قبيلة البراعصة - لما مُكن للطريقة السنوسية في برقة القبلية. فرأت القبائل في السنوسية ما لم تره في غيرها من نفع لها، فاجتمع رأيهم عليها فبايعوا كابراً عن كابر وتحزبوا لها بكل ما أوتوا من حمية وعصبية الإخوة، حتى أن البرفسور ايفانز بريتشارد، عالم الأنثروبولوجيات البريطاني، درس الحركة والقبائل في برقة وقدم دراسة قيمة بعنوان "السنوسيون في برقة Sanusi of Cyrenaica " يقول فيها: "… أصبحت الطريقة (السنوسية) مهيمنة لأنها تجاهلت المدن واتجهت لدعوة البدو، فأسست مراكزها بين قبائل البادية، ولذلك أُسست الأخوّة السنوسية على مفهوم الأخوّة عند البدو".
وبدورها استثمرت السنوسية هذه الولاءات والعهود خير استثمار واستوعبت جيداً المثل البدوي القائل: أنا وخوي على ولد عمي، وأنا وولد عمي على الغريب. ومن ثم استطاعت السنوسية والبادية أن تحول هذا المثل إلى: أنا وخوي وولد عمي على الغريب. ولم تسبق السنوسية طريقة إلى ذلك من قبل، حتى أن شيخ الزاوية السنوسية ببنغازي الشيخ عبد الله التواتي - وليس الحاكم التركي - كانت له الكلمة العليا والقول الفصل في مجريات الحياة في المدينة عام 1884م، بل إن كبار موظفي الدولة العلية كانوا يسعون جاهدين لنيل رضى السنوسيين بما فيهم الوالي العثماني في طرابلس، علي أشقر باشا، الذي سبقهم في ذلك، وكان يكرم السيد المؤسس محمد بن علي السنوسي إكراماً عظيماً، ويعتمد على السنوسية ونفوذها في حكومة دواخل برقة خصوصاً؛ واعترفت الدولة للسيد عن طريق واليها بالزعامة والإمارة … وأعفت السنوسية من الضرائب الأميرية والأعشار الشرعية … بل ذكر المؤرخون أن السيد محمد بن علي السنوسي الكبير لم يلبث إلى أن نال من السلطان العثماني عبد الحميد في عام 1855م فرماناً جعله بمثابة الأمير المستقل بإمارته، وفي الجغبوب زاد نفوذ السيد وبلغ ذروته حتى أصبح سيد الصحراء المطلق، ولم يُصب علاقته بالدولة أي تغيير بسبب ذلك، بل ظل الولاة العثمانيون في برقة وطرابلس يخطبون وده ويحرصون على صداقته حتى وفاته في عام 1859م … كما يقول الدكتور محمد فؤاد شكري في كتابه السنوسية دين ودولة.
ويبقى الأهم أن دعوة الإمام محمد بن علي السنوسي للإقامة في برقة كانت لها دلالة من حيث حاجة البادية الماسة إلى قيادة روحية في أراضٍ حل فيها الجهل مكان القيم الروحية والأخلاقية. وكذلك تحمل دلالة أخرى هي استيعاب برقة للمهاجرين من أينما أتوا لا سيما الحجاج المغاربة، وإذا ما تطلب الأمر مع التذكير بأن السيادة لقبائلها مهما تغيرت المسميات. وهذا ما أكده الشيخ سليمان رقرق عندما اختلف مع السيد إدريس السنوسي في ترتيباته لإمارة برقة السياسية. فعندما أراد السيد التأكيد على إمارته لبرقة وأنه هو الأمير الشرعي والزعيم الأوحد لها سنة 1949م. قال حينها الشيخ سليمان غاضباً للسيد إدريس: برقة لم يأتِ بها جدك في خرجه من الجزائر.
((إن هذا المتهم الذي انتدبت للدفاع عنه: إنما يدافع عن حقيقة كلنا نعرفها، وهى الوطن الذي طالما ضحينا نحن في سبيل تحريره، إن هذا الرجل هو ابن لهذه الأرض قبل أن تطأها أقدامكم، وهو يعتبر كل من احتلها عنوة عدو له، ومن حقه أن يقاومه بكل ما يملك من قوة حتى يخرجه منها أو يهلك دونها، إن هذا حق منحته إياه الطبيعة والإنسانية.. إن العدالة الحقة لا تخضع للغوغاء، وإني آمل أن تحذر محكمتكم حكم التاريخ، فهو لا يرحم، إن عجلته تدور وتسجل ما يحدث في هذا العالم المضطرب)) .. من مرافعة المحامى المنتدب للدفاع عن عمر المختار (روبرتو لو نتانو) وهو ضابط شاب برتبة نقيب في جيش الاحتلال الإيطالي. لماذا ظل عمر المختار قيمة حتى في نظر الأعداء؟ وما هو شعورك كونك باحث ليبي ومهتم بحركة الجهاد بعد هدم ضريحه في بنغازي؟
أمران يجب أن نتوقف عندهما .. الأول هو أن الإيطاليين في جلهم باركوا احتلالهم لليبيا، نخب ديمقراطية وصحافة، ويستعجب الإنسان عندما يعرف أن من الذين عارضوا الاحتلال كان موسليني عندما كان شاباً اشتراكياً راديكالياً، وقد نُفي الكثير من اليسار الإيطالي من الذين عارضوا الاحتلال إلى الجزر النائية الإيطالية كما فُعل بأهلنا في ليبيا.
فهناك الكثير من الإيطاليين من اتخذ موقفاً رائعاً ضد الحرب، كالشهيد كرميني جوسيبي الذي فر من بني جلدته في ليبيا، ليلتحق بالمجاهدين 1916م، ويعلن إسلامه، ويقاتل معهم وهو حافي القدمين كبقية المجاهدين الفقراء، حتى لا يُشعر غيره بأي فارق، ويقترن بامرأة من قبيلة المجابرة، فيقبض عليه الطليان في جالو، ومن ثم نفذوا فيه حكم الإعدام، ولازال أولاده وأحفاده يعيشون في بنغازي، وشكر الله الأستاذ فتحي الساحلي الذي سلط الضوء على سيرة هذا المجاهد الشهيد، ونشرها في كتاب يحمل عنوان "يوسف المسلماني"، الاسم الذي اختاره الشهيد كرميني يوريو جوسيبي (Carmine Jorio Giuseppe) لنفسه بعدما اسلم.
ولعل ممن ضيقت عليه المؤسسة السياسية والصحافية في إيطاليا من المؤرخين الطليان المنصفين هو البرفسور انجلو ديل بوكا، الذي كتب أكثر من 100 بحثاً وكتاباً في هذا الصدد، خاصة عندما كشف قليل من كثير الجرائم التي ارتكبها الطليان باسم إيطاليا ومجدها المزعوم في ليبيا والقرن الأفريقي، فقد هُدد الرجل بالقضاء عام 1956م، لأنه فضح إيطاليا وأثبت أنها استخدمت الغاز الكيماوي ضد الأثيوبيين العزل، ولكن وزارة الدفاع برأت ساحته عام 1990م، وردت له اعتباره الأكاديمي باعترافها بأنها استخدمت هكذا غاز.
أما الضريح فأنت تثير شجوناً، ليس عندي فحسب، بل عند أهل بنغازي والوطن كله، وهنا يحضرني قول الشاعر:
وقد نصـب الوحي العـــزاء ببيته عليك حداد والمعزى محمد
وشاركت الأرض السماء بشجوها فواحــدة تبكي وأخــرى تعدد
لا أحد يعرف لماذا نُكل بالضريح في ليلة ظلماء هكذا، وتُرك خراباً، ولكن ما هو يقيناً أن عمر المختار سيبقى كما كان دائماً، رمز لهذه المدينة والوطن والأمة، متجسداً في ضريحه، ولن يرضى أهلنا عن من أومأ، وأوحى، وشارك، وهدم، ورضي بهدم ضريح الشهيد عمر المختار، وكذلك من يرفض إعادة بنائه كما كان .. ولكن إذا ما أعيد الضريح إلى كيفما كان فأنا متأكد من أن أهلنا سيتجاوزن هذا الهنة.
وإن لم يرجع هذا الضريح المهدوم، سيبقى حاجزاً نفسياً بين المسؤولين والشعب الليبي عامة، والبناغزة بصفة خاصة، ولم ولن تجدي أي محاولة لرأب الصدع مادام هذا الرمز "المقدس" مهدماً بهذه الطريقة المبتذلة، مما يشكل إحدى العوائق الكثيرة التي أشكلت على القيادة الليبية في استرضاء شرائح واسعة من الشعب.
وأنا سأنشر قريباً بحثاً كاملاً بعنوان "عمر المختار: قصة ضريح ورمز" التي آمل فيها أن يرجع أُولي الأمر إلى عقولهم، ويعيدوا لنا ضريحنا، لأن هناك شبه إجماع على ذلك بين الليبيين.
تحدثت مع محمد عمر المختار عن خيوط وعلاقات متشابكة حول العلاقة بين عمر المختار وإدريس السنوسي، ولكن ابنه يتحدث عن نفس الروايات المتداولة، في اعتقادك هل توجد علاقة خفية لم يكشف عنها بعد؟
أتعرف أن محمد عمر المختار الذي أعطاه أسم "محمد" هو السيد إدريس ؟ وفي حقيقة الأمر أنه أسماه محمد صالح، كما ذكر لي هو شخصياً. على أي حال، لم يحتك الرجلان ببعضهما كثيراً كما يتصور البعض، ولكن ما جمعهما هو المنظومة السنوسية، فالسيد إدريس استلم سنة 1918م عندما غادر إمام المجاهدين السيد أحمد الشريف، وغادر السيد إدريس البلد في ديسمبر 1922م بعد انهيار حكومة إجدابيا، أي أن السيد إدريس مكث مسؤولاً عن الحركة السنوسية في البلد تحديداً ما يقرب 4 إلى 5 سنوات وجلها في إجدابيا، فلا نعلم إذا ما كانت هناك علاقة وطيدة بين الإثنين، سيما أن الشيخ عمر المختار قضى معظم وقته في الجبل، بينما السيد إدريس في برقة البيضاء، وعمر المختار لم يبرز إلا بعد 1923م فيما عُرف بهيئة الجبل وإعادة ترتيب الأدوار.
فثمة مبالغات من البعض لأسباب سياسية تريد الربط أو التفريق بين عمر المختار والسيد إدريس، على الرغم من أن السيد إدريس لم يعين خلفاً في القيادة للشيخ عمر المختار بعد استشهاده، بل من قام بذلك هو السيد أحمد الشريف، وللعلم أن السيد إدريس كان أقرب إليهم جغرافياً، كما لم يزر السيد إدريس ضريح عمر المختار قط في حياته فيما أعلم، سواء عندما كان أميراً أو ملكاً، وفي المقابل هناك من يجزم ويفصل ما بين الشيخ الرمز عمر المختار ليس فقط مع السيد إدريس، بل مع السنوسية كاملة لأسباب واهية حتى أن صحفياً إيطالياً كان مرافقاً لطاقم فيلم عمر المختار في الجبل الأخضر، وعمل مراسلاً لصحيفة تيمبو الإيطالية Tempo اُضطر إلى تفجير قنبلة علاقة عمر المختار بالسنوسية عندما نشر رسالة على صدر الصحيفة من الشيخ عمر المختار إلى السيد إدريس السنوسي يقر فيها له بالولاء والطاعة والإمارة ويطلب فيها بعض الأطعمة والذخيرة.
بما أنك موجود في بريطانيا لماذا ندرة الاهتمام بالتاريخ الليبي في مراكز الأبحاث الغربية، وعند الباحثين الأجانب، والمؤسسات الغربية؟
الغرب مطلع على تاريخنا، وحاضرنا، ويحاولون تنبؤ مستقبلنا، فيخططوا، وهذا ليس حباً فينا، بقدر ما تقتضيه مصالحهم وأراشيفهم الوطنية، حتى أنني ذات مرة دعيت من قبل الدكتور كولن بيكر، والرجل يجيد العربية، وهو مسؤول القسم العربي في المكتبة البريطانية، فتحدثنا عن الكتب ذات الصلة المهمة بليبيا وتاريخها، ففوجئت بأن كتابا "ليبيا الحديثة" لمجيد خدوري و"السنوسية دين ودولة" لمحمد فؤاد شكري لم يكونا ضمن الكتب الموجودة، فلاحظ استهجاني، وإصراري على أنهما يعتبران من المراجع في تاريخ ليبيا الحديث، وإذ به بعد أسبوع تحديداً يتصل بي ويخبرني بأنهم قد تحصلوا على نسخة من كل كتاب من حي الأزبكية بالقاهرة، وأنهما في طريقهما إلى أرفف المكتبة البريطانية، وبإمكاني أن اطلع عليهما بعد أسبوعين.
هذا لم يدهشني بقدر ما أدهشني معرفتهم وإلمامهم بتاريخنا القديم والحديث، فلقد رأيت في مكتبة SOAS بلندن تفاصيل ما كتبه الطبيب الإيطالي، باولو دي تشيلا، مترجماً إلى الإنجليزية عن مذبحة قبيلة الجوازي التي ارتكبها القرمانليون سنة 1817م.
فلهم الريادة بدون منازع في علم الآثار وتاريخنا القديم، وقد ذكرني أخي العزيز وزميل هم البحث والتنقيب - محمد مادي - بكثير من الشواهد التاريخية المتعلقة بالتاريخ الليبي القديم والوسيط، متواجدة في المتاحف الغربية، ولا يعرفها إلا المتخصصون، فخذ على سبيل المثال الصحن الذي يجسد تاريخ بيع السلفيوم في المنطقة الشرقية، والذي أشار إليه في أكثر من مناسبة الدكتور محمد عبد الكريم الوافي، متواجد في المكتبة الوطنية في باريس، أليس وضعه المناسب المتاحف الليبية، فهو يجسد مرحلة مهمة من مراحل الازدهار الاقتصادي في ليبيا، هناك لوحة مصارعة الإله (أنتي) لهيركولي اليوناني، متواجدة في متحف اللوفر بباريس، وهناك لوحة الصيادين التي تعود إلى 2700 قبل الميلاد، متواجدة في الطابق الثاني من متحف البريطاني في لندن، والتي أستنتج منها العلماء الشيء الكثير عن الإنسان الليبي القديم، وخصوصاً قبائل التمحو، ومنها استفدنا أن عادة الختان عند الليبيين كانت أقدم منها بكثير عن جيرانهم المصريين، في هذا يمكنكم مراجعة كتاب "الليبيون الشرقيون" لأوريك بيتس.
في وهناك في جامعة كمبريدج يحتفظون ببعض الفخاريات الأثرية التي أخذها معه عالم الآثار البريطاني، ويليام ماكبيرني، عندما عمل في الجبل الأخضر في الخمسينيات من القرن المنصرم، بعد بحوثه في كهف "هوا لفتايح" ومن ضمن ما أخذ أقدم زمارة (صفارة) في العالم صنعها الإنسان الليبي من عظام طير، وناهيك عن آلهات الجمال الثلاث في متحف روما، بل حتى بولندا وروسيا وأمريكا لها نصيب من التاريخ الليبي. ألم يحن الوقت أن تعاد هذه الروائع لمتاحفنا.
وإذا ما زرت الأرشيف الوطني حيث الوثائق، كما أفعل من حين إلى آخر، ستجد عندهم آلاف وآلاف الوثائق عن تاريخنا الحديث التي تفصل كل شيء من وجهة نظر بريطانية ناهيك عن الأمريكية والفرنسية والروسية والألمانية وغيرها، حتى أن بحوزتي وثيقة يوصف فيها بالدقة جنازة البوصيري الشلحي بعد موته المفاجئ في حادث سيارة في 23 أبريل 1964م، وكيف دفن، ومن حضر، وكيف سالت دموع الملك إدريس إلخ، وكذلك وثيقة أمريكية تسرد التفاصيل المملة عن القبائل في برقة وشيوخهم، بل أن زميل أمريكي اسمه رسل ماكقويرك كتب كتاباً عن حرب السيد أحمد الشريف للبريطانيين في مصر بعنوان "حرب السنوسي الصغيرة" مركزاً على الوثائق الألمانية وليس البريطانية أو بلده أمريكا.
وفي حواري مع المؤرخ البريطاني جون رايت وغيره تبين لي أنه على دراية بتاريخنا وخاصة ذاك الذي يقبع في أرفف الأرشيف الإيطالي حتى أنه قال لي: "كل الأعمال الريادية والدراسات الجادة في تاريخ ليبيا الحديث باللغة الإيطالية، ومن عمل الطليان أنفسهم خصوصاً في العشرينيات والثلاثينيات خلال الحقبة الاستعمارية لليبيا، ولازلنا نعتمد كلياً على هذه الأبحاث". وهذا ليس غريباً حيث أنني شخصياً لم أجد أفضل من كتب عن قبائلنا وعلى تركيبتنا القبلية كالعقيد الإيطالي انريكو دي اغسطيني في كتابيه الشهيرين "سكان طرابلس" و"سكان وبرقة" اللذين ترجمهما الأستاذ الكبير خليفة التليسي، ويعتبر عمل اغسطيني هذا من بين المراجع والمصادر البارزة التي لا يستغني عنها باحث في مجال كهذا، ووجدت في كتابه وغيره من الغربيين شيئاً من ضالتي عندما بحثت كتابي "القبيلة والإسلام والدولة".
لديك إطلاع واسع على كتابات الدكتور محمد المفتي حول الهوية؟ السؤال لماذا الاهتمام بالهوية، وهل هناك شعور بالنقص أو خوف على هويتنا من الضياع ؟
الدكتور محمد المفتي صاحب تجربة مريرة في الحياة، ورجل وطني، ووفي جداً لوطنه ولأهله، ظُلم كثيراً مع عدد لا بأس به، حين أُدخلوا السجن، وذاقوا ما لا يستحقون من ويلات، يعجز البعض عن تخيل مرارة تلك التجربة، ليخرج بعدها مع من بقي على قيد الحياة، ليبدأ عملية الترميم وإعادة بناء ما هدمته الأقبية.
وبالمناسبة كابن وحفيد لمن هُجر من أرضه، وحُشر قسراً في معتقلات الطليان في الثلاثينيات من القرن المنصرم أتوسل وأتشفع بمظلومية آباءنا وأجدادنا إلى إفراغ سجن بوسليم كلياً، وجعله نصباً تذكارياً أسوة بمعتقلات الطليان، لأنه وصمة عار في جبين تاريخنا من أجل الحرية والتحرير، هذا المكان سيء الصيت الذي قضى وظُلم كثير من إخوتنا فيه، وأطالب بنحت أسماء كل أولئك المظلومين الذين دخلوه وأخرجوا منه، ومن اختفوا في غياهبه قسراً إلى يومنا هذا، على جدرانه العدوانية كي لا ننسى، ولا نكررها إذا ما أردنا مستقبلاً أفضل وأسلم.
فالمفتي كغيره ممن ابتلي جاهد خلف القضبان من أجل البقاء وانتصر، وصفح ولكن لم ينس بحفاظه على الذاكرة، وكل ما يتعلق بالوطن، فتفتقت قريحته ليكتب في الطب والتاريخ والثقافة العامة حتى لا يطمس، كما كان في القبو.
ويذكرني هذا بمقولة "أنا أفكر إذاً أنا موجود"، وعلى رأي القصيدة الشعبية:
"مازلت نا هو نا .. لا ندير عيب ولا ندير خطا .. مفطوم عالعصر".
ولهذا ابتدأ الدكتور محمد المفتي خروجه إلى عالم الكتابة عن الوطن والهوية بطريقة أراد لها مناوئوه أن تكون إلا صاخبة. فالحديث عن الهوية فيه من التشعب والتفرع ما يتعب المتدبر، فنحن في ليبيا ننتمي إلى مجموعة من العوالم، وبالتالي نحمل هوية كل عالم نتواجد فيه، فنحن أمازيغ، لأن أصول أغلبنا أمازيغية، وعرب في نفس الآن، لأن لساننا عربي مبين، وأفارقة بحكم الجغرافية، وكذلك متوسطيين، لأننا نملك أطول ساحل على البحر الأبيض المتوسط، في الوقت نفسه نتربع على الحيز الأكبر من الصحراء الكبرى، ما يجعلنا صحراويين، وننتمي إلى قبائل وعائلات متعددة الولاءات والتحالفات، ولكن الأهم أننا مسلمون احتوتنا دائرة الحضارة الإسلامية بكل هذه التناقضات والتلون، ما يجعلني شقيق الجار، وأخاً لمن اشترك مع في العقيدة، وجاراً لمن أتقاسم وإياه الجغرافيا.
وما هي الأسباب وراء إثارة الضغائن حول كتابات المفتي، فيما يتعلق بمقالاته حول الهوية المهربة على صفحات مجلة ليبيا المصورة، وكتاباته في مجلة عراجين؟ وهل تعتقد أن محاولة المفتي كسر الصمت حول التابوت التاريخية عجلت بالتحرك لتحذيره من الاقتراب إلى هذه المناطق؟
أتذكر أنني أول مرة أقرأ للمفتي كان في المرحومة مجلة الفصول الأربعة التي كتب فيها مقالة مشوقة غير معهودة بين الأوساط الثقافية، تناول فيها قضية الهوية، الأمر الذي أزعج بعض المتوهمين، وأدعياء الغيرة على هذا الوطن الذي نسكنه جميعاً، وقضم السنين منا، وإن كنا غرباء في غياهبه، أو مهاجره، حتى قيل إن ذات الرجل أراد مقاضاة قلم المفتي للجم أفكاره، ومن تسول له إباء نفسه، ما أثار زوبعة واستنكاراً بين المجاميع الثقافية والفكرية الليبية، وزادت في نظري من شعبية المفتي، وشغف الكثيرين من أمثالي مما زاد من الطلب على المقالة وكتاباته، وبهذا كُللت مقالته بالإقبال عندما حُكم العقل، لينطلق الرجل في الآفاق على ضعفه وغربته، ويكتب ويقدم للوطن باقة من الكتب التي حركت الحياة الثقافية في ليبيا كلها، وأحدثت تداعيات لازلنا نلامسها، ويدغدغ فينا عاطفة الانتماء والهوية من خلال تذاكير رائعة ورائدة، أبرزها "هدرزته" في بنغازي، وأجرأها تناوله لسيرة الزعيم بشير السعداوي، الذي باعه رفاق الأمس بقشور فول، فنساه أولاد اليوم بالمجان.
وأنا متأكد أن الدكتور المفتي أدرى مني بخفايا أمور شتى، وهو يملك من الشجاعة ما سيطلعك عليه من خفايا غابت عنا، ولكن ما ميز الدكتور محمد عن غيره هي جرأته وتصميمه على أن يفكر بصوت عال، والولوج في مساريب يخاف منها غيره، فتحية إجلال وإكبار له على ذلك.
نخرج إلى موضوع حساس نود التعرف على رأيك فيه، يتعلق بارتفاع أصوات تنادي بدور للأقليات داخل الوطن الواحد، الأمازيغية أو البربر، والطوارق؟ هل ترى أي حديث في هذا الموضوع سوف يقابل بالتخوين والمؤامرة على الوطن، أم أن هذه الأقليات جزء من النسيج الوطني الليبي؟ وبالتالي من حقها الاحتفاظ بهويتها ؟
أولاً الطوارق هم أمازيغ، والأمازيغ ليسوا أقلية وإنما هم الأصل وهذه مشكلتنا نحن العروبيين، نعتبر كل من هو ليس عربي فهو أقلية إن لم يكن دخيلاً. فالأصل في سكان ليبيا هم الأمازيغ (البربر)، وأغلب سكان ليبيا وخاصة في المنطقة الغربية حيث الكثافة السكانية هم من أصول أمازيغية تعربت في بوتقة الإسلام، وحباً وتسنياً بالمسلمين العرب. ولكن العجب العجاب عندما تطالب هذه المجموعة اللغوية بالحفاظ على لغتها وتراثها وبمعاملة إنسانية لا غير، تقابل من قبل الساسة والنخب الفكرية بأنهم طابور خامس، وأنهم خطر على الوطن .. عجباً لوطن لا يقيم للإنسان قدراً وقيمة تليق بآدميته .. فنحن ارتكبنا من الأخطاء في تاريخنا ما جر على الأمة من ويلات، وخير دليل مضايقتنا ومن ثم طردنا لليهود الليبيين الذين استقر بهم المقام في فلسطين السليبة، ليتصهينوا ويصبحوا ضدنا بعدما كانوا جزءً منا أكثر 14 قرناً .. وعلى فكرة اليهود هم أقدم من الوجود العربي الإسلامي في ليبيا، فنحن "العرب" عنصر طارئ ولكنه هيمن على مقدرات الوطن بدون مراعاة الشركاء.
فالأمازيغ لهم الحق في التحدث بلغتهم، بل من واجبات الدولة أن تحافظ على تراثهم، تراث الآباء والأجداد، وأن تبنى لهم المدارس الخاصة بهم، وتفتح لهم أقسام دراسات في الجامعات الليبية، وأن تعطى لهم قناة تلفزيونية أو راديو لنشر هذا التراث العريق، بل إذا ما أرادوا أن يعلموا المذهب الإباضي، وأن يتحاكموا إليه في المحاكم الشرعية من باب التعددية، فلا خوف على هذا الوطن الذي يسعنا جميعا.
ولا يفوتني ما يقوم به الليبيون الأمازيغ من العمل الحثيث في المحافظة على هذا التراث العظيم، وأحيي في مقدمتهم أخي العزيز والباحث الجاد صاحب الهمة محمد مادي، ومؤسسة تاوالت للدراسات الثقافية التي يسهر على سيرها في لملمت تاريخ وتراث ليبيا من عالم النسيان هنا وهناك بمجهودات ذاتية، ولكنها تضاهي أي مؤسسة حكومية داخل الوطن.
وهل تعتقد أن تصاعد وتيرة هذه المطالبات تأتي وفق ظروف تفرضها المرحلة؟ أم للتاريخ دور في هذا الجانب؟
بالفعل العالم تغير وأصبح قرية إلكترونية صغيرة، ولا يستطيع أحد تكميم الأفواه التي تطالب بحقوقها .. وأكد وأقول أن أصحاب الحقوق أصبحت أصواتهم مدوية أكثر من قبل، والفضل يرجع لثورة المعلومات، وعالم الفضائيات التي نتج عنها تفهم لحقوق الغير، وفي الوقت نفسه يقول المرء أحياناً لنفسه لقد بلغ السيل الزبى، وإلى متى الاستهتار والتقليل من الآخر.
ماذا تكتب هذه الأيام بعد رجوعك إلى لندن، وحصيلة حقيبة من الوثائق والصور والأحاديث الصحفية اليومية في بنغازي وسلوق وطبرق وطرابلس؟
وإلى لقاء جديد مع تحيات خالد المهير
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : حوارات | السمات:حوارات
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























يناير 2nd, 2008 at 2 يناير 2008 6:52 م
السلام عليكم