Yahoo!

علي باشا الوحيشي في دار الكتب الوطنية

كتبهافرج نجم ، في 16 فبراير 2012 الساعة: 19:49 م

علي باشا الوحيشي في دار الكتب الوطنية

بقلم/ د. فرج نجم

كنت كما كانت هي عادتي عندما أكون في زيارة لأرض الوطن لا يحلو لي مجلس إلا في رحاب الثقافة وبين أرفف المعرفة إما متصفحاً آخر إنتاج أخواني المبدعين أو ما سبقنا إليه الأولون ليتركوا لنا بصمات وآثاراً نسير بها إلى مستقبلٍ زاهرٍ قد بشرونا به على درب الكتابة.

في تلك الأحيان كانت قد خرجت علينا المرحومة مجلة الفصول الأربعة بمقالة مشوقة للصديق الدكتور محمد المفتي غير معهودة بين الأوساط الثقافية تناول فيه قضية الهوية الأمر الذي أزعج بعض المتوهمين وأدعياء الغيرة على هذا الوطن الذي نسكنه جميعاً وقضم السنين منا وإن كنا غرباء في غياهبه أو مهاجره حتى قيل إن ذات الرجل (أحمد إبراهيم القذافي) أراد مقاضاة قلم المفتي للجم أفكاره ومن تسول له إباء نفسه، ما أثار زوبعة واستنكاراً بين المجاميع الثقافية والفكرية الليبية وزادت في نظري من شعبية المفتي وشغف الكثيرين من أمثالي مما زاد من الطلب على المقالة، ولقلة عرضها توجهت إلى أرفف دار الكتب الوطنية العامرة باحثاً عن نفس المقالة ولعله حسن حظي وطالعي حين توجهت إلى الأخت الكريمة التي كانت حينها في خدمة القراء متسائلاً عن المقالة، وإذا بشخصٍ آخر أراه للمرة الأولى يتوجه إليّ متسائلاً إذا ما كنت مكلفاً أو مجرد مطلع، فأجبته بشيء من التردد والريبة بأنني مطلع، ولكن أعدت عليه الكرة بسؤال في صيغة جواب.. ما المقصود بالمكلف ؟ فقال لي إذن: تعالى معي يا أستاذ.

ذاك الرجل كان هو الأستاذ الرائع المرحوم علي الوحيشي، ويا لها من صدفة خير من ألف ميعاد، فبدأت شخصيته ترتسم أمامي بأنه شخص ضخم بكل المعايير وعلى سعة صدر قل نظيرها في أماكن كدار الكتب.

ومن خلال استجوابه اللطيف لي وسرعة بديهة إجابتي عن كل ما طرحه بود تبين لي أنه يريد أن يكسبني أولاً كصديق ومن ثم معيناً لي كباحث من باب التطوع، ولكن عندما عرف من أنا زاد تشبثه بي لأن أمه رحمة الله تعالى عليها من نفس بيت عائلة نجم التي أنتمي إليها فقال لي: أنا خوالي لا أرضى فيهم شيئاً يسيء إليهم خصوصاً جدي عبد الحميد سلامة نجم الذي ربانا ونحن صغار بعد ممات أبينا في وسط البلاد. وعندما تطورت العلاقة بيننا زارني في البيت وكعادته في كسب ود الناس تحدث مع الوالد وقال له: ما رأيك يا خالي أنا أهلي شويخات - أي حضور من وسط المدينة - وخوالي عيت نجم من قبيلة العواقير من أقوى قبائل برقة وزوجتي من قبيلة ورفلة من أكبر قبائل الغرب، فرد عليه المرحوم الوالد بنفس السرعة قائلاً: ووه يا بوبناخي أنت واثق أكثر حتى منا.

ولد علي ببنغازي عام 1952م ودرس الابتدائية فيها بمدرسة بن عيسى والإعدادية بمدرسة الأمير، ثم انتقل إلى مدرسة شهداء يناير حيث أنجز الثانوية ومنها دخل كلية الآداب في جامعة قاريونس ليتخرج من قسم التاريخ سنة 1979م وقبيل تخرجه أطلقها مدوية كما أخبرني الصديق مازق حسين مازق: هانا أترككم وأقول إن أخي مازق حسين مازق هو الأمين على قسم التاريخ بالجامعة، وبعد تخرجه وفي سنة 1980م تعين بدار الكتب الوطنية.

دار الكتب لها مذاق ومكان خاص حيث موقعها قرب ضريح عمر المختار - الشيخ الشهيد الرمز - في وسط بنغازي والأهم هو انعقاد مجالس الخواص من المهتمين متحلقين حول المؤرخين والشعراء والمثقفين والباحثين، فأكثر الطاولات التي كنت أمضي فيها معظم يومي الأحد والأربعاء هي طاولة فطاحل الشعر الليبي ككبير القدر والهمة المرحوم حسن السوسي وصاحب الابتسامة حفيد السيد أحمد الشريف السيد راشد الزبير – اطال الله في عمره - وأستاذ إنّ وأخواتها شاعر الغزل المرحوم محمد المهدي والناقد وصاحب التواضع الجم الجامعي د. محمد الفرجاني، ولا يفوتني أن هذه المجالس يغيب عنها من حين إلى آخر ولأسباب صحية الرائع وصاحب الحديث الممتع الأستاذ الكبير رجب الماجري الذي اختزلت فيه الأصالة والعصرنة، ولا يمكنني أن أنسى صاحب الابتسامة العريضة الذي يستقبلك بها على الباب مرحباً بك الخلوق علي البركي، ولا تحلو الجلسة إلا بزيارة خاطفة من فتح الله الذي يمدك بقهوته وشاهيه ذات الطعمة الخاصة وبابتسامة ليبية لم أعهدها في مقاهي لندن.

أما علي الوحيشي إذا رأى فيك الباحث الجاد فأنت صاحبه فيعطيك المعلومة والنصيحة والشاي واحتمال كبير تكون مصحوبة بكسرة خبز إذا ما كانت الكريمة بنت الكرماء أناس بوبطانة موجودة في المكتب، ونصائح إضافية من رئيس القسم الأستاذ محمود النصوح حفيد الشهيد البطل محفوظ الورفلي ولا يمكنك تجنب ابتسامات الأخوات التي تفوح بالعفة والبراءة في القسم، وهذا ما يحصل لي مجاناً عندما أنا أو غيري يزورهم، واذكر أنني كرمت من قبل الأستاذ علي إذ قام بي متجولاً في أروقة دار الكتب وإذا به يمر بنا على قسم الكمبيوتر والانترنت حيث وسام نجم صاحب الوجه البشوش وأنامل الخير الذي هو بالفعل وسام بمعنى الكلمة فهو لا يقل خبرة وذكاءً عن أي من مهندسي الكمبيوتر في لندن ولكن كما قال الشافعي رحمه الله:

نعيب زماننا والعيب فينا وما لزماننا عيب سوانا

ومن ثم نقف أمام المكتب الملاصق للانترنت الذي اشتركت فيه أخوات رائعات محترمات، فيقول الحاج علي معلقاً على روعة ترتيب ذاك المكتب، بأنه أحسن مكتب أنيق في دار الكتب وهو في لغة معشر النساء "دار مقعد" أي دار الضيوف التي يتجمل بها كل بيت ليبي مضياف.

ومن ثم يريك بقية الأقسام فإذا لم تجد الكتاب أو المقالة التي تريدها فبصوته الجهوري يؤكد لك قائلاً: ولا يهمك عارف كيف نلقاها توه نجيبها لك، ولعله يقصد مكتبته الشخصية التي يجمع فيها ما ينشر من فرائد مبدعينا، فالرجل لا تغيب عنه شاردة ولا واردة فهو يقرأ ويصور ويقتني كل ما يمت بصلة لليبيا وبنغازي خاصة إلى أملاكه الشخصية، فحتى عندما أصدرت كتبي الأربعة الأولى قال لي: أولاً نريد خمسة نسخ من كل كتاب لقسم الإهداء والتزويد بالدار.. وثانياً أريد نسخة لنفسي بعيدة عن تلك الخمسة.

ولا يكتفي بهذا القدر بل يعرفك على حملة الهم نفسه الذي تحمله لكي تتقاسموا الثقل، فقد عرفني على الكاتب الأديب الرائع سعيد العريبي الذي قال في حقه: الأستاذ علي يحب الجميع ويهبّ دائماً لمساعدتهم دونما تحيز أو تفريق، كما صاحبني في زيارة للساهر على تحرير أخبار بنغازي الأستاذ سالم العبار - أفضل صحيفة في بنغازي قبل الثورة - بامتياز وبشهادة المراقبين. ولكن تبقى بديهية وروح النكتة المغلفة بالعفة والبراءة سمة بارزة في شخص المرحوم علي الوحيشي الذي كان ذات مرة في طابور يستلم راتبه في المصرف، وإذا بالشخص الذي أمامه يخبر الموظف بأنه رزق بولد وسماه معمراً، ما اثار استياء وسخرية الحاج علي، فعلق بصوت عال في باحة المصرف قائلاً: هههه معمر.. موضة قديمة .. المفروض سميته سيف خير لك يا الهبل.. وللعلم تعليق كهذا كاد أن يؤدي به إلى نفس المصير الذي واجهه نسيبه وخال أولاده الشهيد الدكتور جمال توفيق الورفلي رحمهما الله تعالى….. ولعل خير ما اختم به مقتطفات من قصيدة قيلت في دار الكتب من نضم الشاعر الدرناوي علي الخرم كان لفقيد الدار مكاناً بين ثنايا قوافيها حين قال:

وإن أنس .. لا أنس دار الكتب
كنوزاً تضاهي كنوز الذهب

فطوبى لســـاع مسـتزيداً
من العلم يقصد دار الكتب

فصالح نجم يشـع البشـاشـة
لطفـاً وقاصـد لم يخب

وهـذا علي الوحيشـي يؤدي
لزائره فوق ما قد وجب

وسـرب من المرهفات الحسان
فراشات بستانها المستحب

فعزائي لدار الكتب وروادها في أحد أعمدتها.. ودامت عامرة بذكراه وكل من رحل عنها لدار الخلد.. ورحم الله أستاذنا الفقيد الذي كنت دائماً أناديه بعلي باشا الوحيشي وعوضنا الله بأمثاله الجادين في كل ربوع ليبيا لتحيى ليبيانا وتزهر بأبنائها المخلصين لها ولأهلها….. عزاء خاص لحرمه الحاجة نعيمة توفيق الورفلي وابنائه يتقدمهم عبد الباري وإنا لله وإنا إليه راجعون.

بقلم/ د. فرج نجم

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف, مقالات | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك